خطط التنمية الفلسطينية بين الواقع والطموح
*أ/ محمد ناصر محمد نصار
أنَّ خطط التنمية الشاملة التي تقوم بها حكومات الدول المختلفة هي الأداة والوسيلة لتحقيق الأهداف العليا لشعوبها بما يتلاءم مع رؤية هذه المجتمعات لمستقبلها وبما يتلاءم مع الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية ،وقد حاولت السلطة الوطنية الفلسطينية وضع العديد من الخطط والبرامج التنموية والاقتصادية والاجتماعية في الأراضي الفلسطينية لمواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وكانت ترتكز معظم هذه الخطط على تقليل الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي ،وقطع هذه العلاقة أنَّ أمكن، وتوفير بنية تحتية ملائمة لعملية التنمية الاقتصادية ، و معالجة التشوهات الهيكلية الموجودة في البنية الاقتصادية الفلسطينية، معالجة مشاكل الفقر والبطالة، وتوفير الخدمات الاجتماعية الملائمة كالتعليم والصحة والإسكان .
المحاولة الأولى:
كانت أولى محاولات وضع خطط تنموية كانت على شكل برنامج وسميت ( البرنامج الإنمائي الاقتصادي الفلسطيني 1994- 2000) ، فكانت المحاولة الأولى لوضع خطة إنمائية لإعادة إعمار وبناء الاقتصاد الفلسطيني ، وقد قدرت تكاليف هذه الخطة والتي وضعت من قبل الدائرة الاقتصادية في منظمة التحرير الفلسطينية في تونس حوالي 11.6 بليون دولار أمريكي ، وكانت تقوم على افتراضات واستراتيجيات منها : معالجة التشوهات الهيكلية والإختلالات وتوسيع الاختناقات في الاقتصاد الفلسطيني ، وخلق فرص عمل وتقليل البطالة ، تطوير البنية التحتية ، وتشجيع قطاع التصدير، وتطوير قطاع الإسكان،ولكن هذا البرنامج لم يطبق بسبب عدم توفر التمويل اللازم لهذا البرنامج ونظرا لعدم واقعية بعض الافتراضات ، فمثلا إستراتيجية تشجيع قطاع التصدير ، فاقتصاد يرزح تحت الاحتلال ولا يتمتع بسيادة سياسية أو اقتصادية ولا يتمتع ببنية تحتية ملائمة ولا يتمتع بهيكلية اقتصادية تساهم في الاكتفاء الذاتي أصلا .
المحاولة الثانية:-
وفي المحاولة الثانية قدمت السلطة الوطنية للدول المانحة في المؤتمر الخاص بالمساعدات الاقتصادية المقدمة للشعب الفلسطيني في 9 يناير 1996 ، لعرض إستراتيجية للتنمية الاقتصادية وكانت من أهم افتراضاتها الآتي : قيام النشاط الاقتصادي في فلسطين على أساس مبدأ السوق الحر ، وهذا الافتراض غير واقعي بسبب أنّهَ أي اقتصاد تحرر من احتلال جزئيا لا يمكن أنَّ يعتمد على نفسه مباشرة ، بل يجب أنَّ يقوم على الملكية العامة للإنتاج لا أنَّ يتجه إلى الخصخصة، وتشجيع الإستثمارات العربية والأجنبية، وتوفير البيئة الإستثمارية الملائمة قانونيا وتنظيميا ، التوجه نحو التصدير ، وهذا الافتراض غير منطقي بسبب أنَّ أي اقتصاد قبل أنَّ يبدأ بالتصدير يجب أنَّ يكون لديه اكتفاء ذاتي أو على الأقل قدرة تنافسية في الإنتاج ، توفير البنية التحتية اللازمة لعملية التنمية .
المحاولة الثالثة :-
وهي عبارة عن وثيقة قدمتها السلطة الوطنية للدول المانحة في مؤتمر المجموعة الاستشارية لمساعدة الشعب الفلسطيني والذي عقد في نوفمبر 1996 ، وقامت على نفس مبادئ الوثيقة السابقة في المحاولة الثانية ، غير أنَّها تضمنت برنامجا استثماريا لسنة 1997 ، وقائمة لمشاريع ذات أولوية عاجلة وملحة والتي تعتبر أساسية لعملية التنمية الفلسطينية وتقدر قيمتها 845 مليون دولار موزعة على أربعة قطاعات رئيسة هي البنية التحتية ، والقطاعات الاجتماعية ، والقطاع الخاص وبناء المؤسسات ، وما يلاحظ على المحاولات السابقة لم تعد كونها سوى برنامجا اقتصاديا بسبب أنَّ البرنامج الإستثماري كان لمدة عام فقط ، وكانت اغلب المشاريع غير جاهزة للتنفيذ بالإضافة إلى عدم واقعية بعض الافتراضات ، ناهيك عن شمولية وعمومية البرامج[1].
خطة التنمية ( 1998-2000 ) :-
هذه الخطة أعدت للاستمرار لمدة ثلاث أعوام ، وتميزت ببعدها السياسي ، بالإضافة إلى مشاركة الدول المانحة والوزارات الفلسطينية ، وقد تم تقسيم الاستراتيجيات والمشروعات والبرامج على أساس وزاري وعلى أساس قطاعي ، وكان الهدف من التقسيم على أساس وزاري لكي تتابع الوزارات أداء الخطة ومدى تحقيقها ، وفائدة الأهداف والاستفادة من الموارد المتاحة ، بينما يستفاد من التقسيم القطاعي متابعة ما يتم صرفه من أموال على كل قطاع ، وقد قسمت هذه القطاعات إلى أربعة بنود هي تطوير البنية التحتية وإدارة الموارد الطبيعية ، تطوير قدرة المؤسسات ، تطوير الخدمات الاجتماعية ، تنمية الموارد البشرية والقطاعات الإنتاجية .
ولقد ساهم في هذه الخطة 45 وزارة ومؤسسة وجهة من القطاع الخاص ، وقد قسمت الخطة لعدة فصول تدرس المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية ، وتشخيص المعوقات والتحديات المواجهة لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وفصلا لشرح خطة التنمية وإبراز افتراضاتها ، بالإضافة إلى عرض الأهداف الوطنية للتنمية والسياسات العامة التي سيتم تطبيقها ، وفصلا آخرا لشرح استراتيجيات التطوير القطاعية ، وأخيرا إلى عرض خطط التطوير الوزارية ، وتوضيح الأهداف للوزارات والمؤسسات ، وقد بينت الخطة حالة الاستهلاك والإستثمار والتضخم والمساعدات الدولية والتجارة الخارجية والصحة والإسكان بالإضافة إلى الأوضاع الاجتماعية ، وتقوم الخطة على عدة افتراضات وهي : تشغيل مطار غزة سيؤدي إلى حدوث زيادة في حجم التبادل التجاري بين فلسطين والخارج مما يؤدي إلى تحسن في وضع الميزان التجاري ، وسوف يشهد الاقتصاد الفلسطيني زيادة في النشاط الاقتصادي وحجم الإنتاج الصناعي والزراعي ، والتركيز على الاكتفاء الذاتي بالإضافة إلى تطوير مجموعة السلع والمنتجات التصديرية ،تحقيق معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 5% ، مما سيؤدي إلى زيادة متوسط حصة الفرد من الناتج بنسبة 2% ، تطوير المؤسسات المالية والسياسات المالية ، بحيث توفير المؤسسات المالية الحديثة وتقدم لخدمة قطاع الأعمال والإستثمار ، والتنبه لدور القوانين والأنَّظمة والتي ستقلل من الشكوك المحيطة بجدوى الإستثمار ، ووضع نظام ضريبي وجمركي واضح المعالم ، كما يجب الإشراف على البنوك والمؤسسات المالية ، واحتياطي العملات الأجنبية سيوفر مناخا ملائما للاستثمار ، و تفعيل دور القطاع الخاص، وتطوير البنية التحتية ، تشجيع القطاعات المولدة لفرص العمل، وتشجيع العمالة في الخارج، وبناءا على الخطة فقد شكلت الإستثمارات في السنوات الثلاث الأولى 33 %، 35% ، 32% على التوالي ، بينما توزعت الإستثمارات على القطاعات الرئيسة 53% للبنية التحتية ، 9% للمؤسسات ، 19%للقطاع الاجتماعي ، 19 % للقطاع الإستثماري .
خطط التنمية (2000-2008) :
خطط التنمية منذ العام 2000 وحتى آخر خطة تنمية كانت على شاكلة الخطة (1998-2000) ، بسبب عدم ضمان الظروف السياسية التي يمر بها الاقتصاد الفلسطيني إلا أنَّ آخر خطة (2008-2010) يلمس فيها أهداف وفرضيات أحدث على الإدخار والإستثمار بشكل مباشر.
ومن أهم ملامح هذه الخطط : ارتباط خطط التنمية مع عمليات الإغاثة في مناطق السلطة الوطنية ، تحدد الفوائد والمضار للمساعدات الأجنبية ، تركز على المشاريع الصغيرة ، تلقى الضوء على تقنية المعلومات، الشفافية والمساءلة في تلقى المساعدات.
خطة التنمية (2008-2010):
حيث تنقسم هذه الخطة إلى أهداف إستراتيجية ، وأهداف متوسطة ، بالإضافة إلى السياسات القطاعية ، ومن أهم مبادئها التوجيهية إيجاد مصادر تمويلية ذات كفاءة وفاعلية ، بالاعتماد على المصادر المحلية والأجنبية ، عدم الاستسلام للضغوط الإسرائيلية وتعزيز بنية السلطة وتطوير المؤسسات ، و تطوير وإعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة ومواجهة الاستيطان ، هذه الخطة تتميز بإظهار جميع المشاكل المحيطة بالاقتصاد الفلسطيني مثل البطالة والتضخم والفقر والاحتلال ، كما وتظهر مدى مساهمة القطاع الخاص عن نظيره العام بنسبة 140 % في إجمالي الناتج المحلي ن وتتوقع زيادة نشاط القطاع العام والإستثمار سيساعد في زيادة الناتج المحلي، بالإضافة إلى أنَّها تذكر سيناريو تشاؤميا لو حصل شيء غير متوقعا، ويتوقع السيناريو المتفائل أنَّ الناتج المحلي سيصل إلى 4.7 بليون دولار في عام 2010 وأنَّ معدل النمو سيصل في 2010 إلى حوالي 10%.
أهداف الخطة الاقتصادية :
رفع مستوى المعيشة ، العمل على استعادة النمو الاقتصادي، خلق بيئة مواتية للقطاع الخاص ليساهم في النمو وخلق الفرص والمساهمة في عملية التنمية المتواصلة، وتطوير رأس المال البشري والاجتماعي وذلك بتوفير الصحة والتعليم المناسبين، تهدف إلى دعم إجمالي الإستثمار ورفع نسبته من 6.1 ٪ من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي إلى 10.8 ٪ من إجمالي الناتج المحلي في عام 2010 .
أهم العيوب التي تواجه خطط التنمية الفلسطينية :-
1-عدم وجود تنبؤات وتوقعات بالأحداث ، وعدم وجود خطط طوارئ وبدائل .
2-عدم واقعية بعض الافتراضات .
3-الشمولية والعمومية في دارسة بعض القطاعات الاقتصادية .
4-معظم الخطط لا تسلط الضوء على الإدخار والإستثمار بشكل كاف.
5-لم تعتمد الخطط في تمويل أهدافها على المصادر المحلية بل اعتمدت على المصادر الخارجية .
6-هدف هذه الخطط لم يكن تنمويا بقدر ما كان سياسيا لجذب هذه المساعدات وهذه المشكلة التي يعاني منها التخطيط والمخطط الفلسطيني حتى الآن ومن التأثيرات السلبية للمساعدات ما يلي :-
· عند وصول المساعدات والمنح يفترض أنَّ كل دولارا يجب أنَّ يؤثر على الدخل القومي على أساس توليده سلسلة من الإنفاق فيما يعرف بمضاعف الإنفاق (expenditure multiplier)، بينما ميل الاستيراد (propensity of imports) في الأراضي الفلسطينية عالي جدا حيث يساوي 67% ، بمعنى أنَّ كل دولار من المساعدات يدخل الأراضي الفلسطينية يتسرب للخارج أو بالأحرى يتجه لإسرائيل ، ولذلك يفضل استخدامها في الإنتاج المحلي وخاصة السلع الاستهلاكية ، إذن ميل الاستيراد أكبر من مضاعف الإنفاق .
· تأثير المساعدات يظهر خلالا في حجم الدخل القومي .
· المساعدات عندما تأتي على صورة سلع عينية ويكون لها سلع مماثلة ، ومصنعة محليا ، فيؤدي إلى تناقص حجم الإنتاج المحلي من هذه السلعة، وبالتالي تناقص الدخل .
· المساعدات تسييس العملية الاقتصادية وتؤدي لظهور الفساد .
· المساعدات المقدمة للعائلات والأفراد تضعف المعنويات ، وتضرب حب العمل ، وتؤدي لظهور ظواهر اجتماعية سلبية.
· حاصل على ماجستير في الإقتصاد
