أ. محمد ناصر نصار
إن أقسى ما تمر به الشعوب مرحلة ما بعد الاختلاف الفكري هو الصراع الدموي في كياناتها ، ويرجع ذلك لعدد من الأسباب والتي تتمثل باختلاف فئات الشعب وتعدد الأديان ، وعدم وجود فكر تقبل آراء الأخرين والتعصب والتشيع الفكري ، وغالبا هذه الصراعات قد تنهي هذه الشعوب وتزيل كياناتها ، فلنستذكر الحرب الأهلية اللبنانية والتي اشتعلت تحديدا في العام 1975 والتي استمرت أكثر من ستة عشر عاما ، واستنزفت موارد لبنان البشرية والمادية والاجتماعية والأخلاقية أيضا ، ولا يخفى أن سبب الصراع الحقيقي هو تعدد الطوائف والمذاهب في دولة تحررت من إحتلال زرع الفتنة وبدل ديموغرافية لبنان ليتفجر هذا الوضع مع مرور الزمن ، ولايهمنا إن نحدد كيف انطلقت شرارة هذه الحرب والتي بدأت عندما قام مجهولون بمحاولة اغتيال بيار الجميل رئيس حزب الكتائب وقامت الكتائب بقتل 27 فلسطينيا ردا على محاولة الاغتيال ، واستمرت الحرب الأهلية ملحقة خسائر بالأرواح أكثر من 150 ألف لبناني وفلسطيني ناهيك عن الخسائر الاقتصادية المهولة ، ومن الغرائب أيضا في هذه الفترة نشأت حكومتين في لبنان واحدة بدعم سوري قوي وأخرى تدعي استقلال القرار اللبناني وذلك بمحاربة السوريين ، هذا الوضع يماثل الآن الانقسام الفلسطيني ، إلى أن تم الاتفاق أخيرا في العام 1990 على حل الميليشيات المسلحة عدا حزب الله والعمل على توحيد العاصمة وتوحيد الجيش على أساس مهني ووطني الشاهد هنا أن قضية الانقسام الفلسطيني ليست بأخطر من الحرب الأهلية اللبنانية والتي كان يحركها أكثر من طرف دولي وإقليمي إلا أن الساسة والقادة والشعب اللبناني هم من أرادوا إنهاء هذه الحقبة السوداء ، فماذا ينتظر قادتنا وتنظيماتنا فالانقسام بلغ من العمر ست سنين عجاف ما أمطرت فيها إلا تراشقا وسباب ولا أنبتت غير حسرات وعذابات ، قسمتم ما تبقى من الوطن ، واختزلتم ما اختزلتم من ثورة وفكر ومقاومة وجهاد إلى مقومات حياة بل أدنى من ذلك ، ولكنكم أنتم من قسم شعبنا وفصل بين الأخوة وزرع بذور الشك والكيد والتخوين بين الناس ،استمروا ما شئتم في تعزيز انقسامكم فشعبا سيلفظكم وسيلفظ انقسامكم ، هذا الشعب لطالما عجز المحتلون على مر العصور من تركيعه وإخضاعه لقادر على أن ينهي انقسام ساسته وقادته ، إننا نراهن على المثقفين والشباب والغيورين على مصلحة وطننا ليس فقط على إنهاء الانقسام بل أيضا على العمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي بكافة الطرق المشروعة ، وجدير بالذكر أيضا ذكر التجربة الألمانية بإزالة جدار برلين وتوحد الشعب الألماني رغم انف أقوى قطبين في العالم ، والتجارب التاريخية أثبتت انه لا يمكن فصل الناس عن هويتهم التاريخية والسياسية والاجتماعية ، حتى إسرائيل عجزت سابقا عن صهر المجتمع الفلسطيني ضمن كيانها أو حتى إلحاقه بالأردن أو مصر اجتماعيا وسياسيا ، الا أنها هي المستفيد الأول من الانقسام وعليه من يساهم في الانقسام فهو يخدم السياسية الإسرائيلية الإستراتيجية والقاضية باختزال القضية الفلسطينية من قضية ارض وشعب يرغب بالتحرر من تسلط الاحتلال إلى شعب يرغب بمقومات الاحتلال ، ان شعبنا يتمتتع بروح تسامح عالية وتآلف كبير بين فئات الشعب فقد من الله على شعبنا انه يكاد يخلو من الطوائف والتعددات المذهبية والفكرية فإنتماء الشعب لفلسطين اكبر من انتمائه لمنظمات أو حركات أو مصالح ، ولو افترض جدلا عجز الساسة واستمروا في خلافهم العلني ولم يتوافقوا على حكومة وحدة وطنية أو إجراء انتخابات وبقي الحال كما هو عليه فان هؤلاء القادة والساسة اثبتوا عدم صلاحيتهم للمرحلة ، ويستقرئ ذلك من صوت الشارع المطالب بالوحدة الحقيقية والشراكة السياسية ، ليس عيبا ان يعترف الجميع بأخطائه ، ولكن ما يدعو للخجل أن يستمروا في الخطأ نفسه وأن يصروا عليه ، فليحكم صوت الشارع الفلسطيني في القضايا المصيرية والثوابت فليستفتى صوت الشعب في المفاوضات والمقاومة وعودة اللاجئين ، ولا اعتقد ان الشعب الفلسطيني الذي عجزت أعتى آلة في الشرق الأوسط ان تمحق إرادة الحرية والاستقلال لديه ان يحيد عن الطريق والتي قدم على دربها ألاف الشهداء والجرحى والمصابين ، فبوصلة الشعب متجهة نحو الأقصى وتحرير فلسطين وعودة اللاجئين وسيستمر في مقاومته ونضاله الى أن يصل الى حقوقه الشرعية والإنسانية .
